خرجت تطالب بحقّها… وبعد 14 سنة ظهر “الدليل” تحت الإسمنت!

موقع أيام نيوز

بلاستيكية وقهوة سريعة سمعت ميريام قصصا مطابقة لقصتها أمهات وأخوات وزوجات كلهن يشتركن في شيء واحدامرأة خرجت ولم تعد.
لأول مرة لم تشعر ميريام بأنها وحدها. لم تلق خطابا ولم تطلب شيئا فقط عرضت صورة أمها نفس الصورة التي استخدمتها على الملصقات عام 1997 غوادالوبي واقفة أمام حائط ترتدي مريولا ويداها متشابكتان وتبتسم ابتسامة خفيفة.
بعد الاجتماع اقتربت منها امرأة وقالت أمك أيضا كانت عاملة منزل صحيح أومأت ميريام. فقالت المرأة هن يسندن البلد ولا أحد يبحث عنهن حين يختفين. بقيت تلك العبارة في ذهن ميريام أسابيع لأنها لخصت كل ما عاشوه.
غوادالوبي لم تكن استثناء كانت رمزا. وميريام بدأت تفهم ذلك بوضوح أكبر.
في البيت لم يكن الإخوة يتحدثون كل يوم لكنهم كانوا يعرفون أن كل ما يفعلونهكل قرار كل عادة كل صمتما يزال يدور حول غياب واحد غياب لم يعد يلسع كما قبل لكنه لم يتوقف عن الثقل.
أحيانا تكفي قصة امرأة واحدة لتشرح ما تعجز عنه آلاف القصص.
وفي المدرسة الإعدادية الفنية التي كانت ميريام تساعد فيها وقع أمر أعاد بعثرته كل شيء داخلها طالبة عمرها أربعة عشر عاما توقفت عن الحضور بلا تفسير. اسمها إيتسل فارغاس. كانت تعيش مع جدتها في منطقة أعلى من الحي. لم يكن هناك بلاغ ولم يكن أحد يعرف شيئا.
مر الأمر بلا ضجيج لكن ميريام لم يحتمل ذلك الصمت. تحدثت مع المديرة وبعض المعلمين وبدأت تسأل ومن حيث لا تريد عادت إلى تلك المنطقة القديمة من العجز حيث كانت في 1997.
عادت لتلصق منشورات. عادت لتسير في الشوارع. عادت لتشعر بتلك الغثيان الصامت الذي يصاحب الخۏف. وبعد أربعة أيام عثر على إيتسل. كانت قد ذهبت مع رجل أكبر سنا. كانت حية لكن القصة أيقظت شيئا في ميريام لم يعد يمكن دفنه.
قالت في نفسها لا أستطيع أن أبقى أتفرج على تكرار الأمر.
ومن هنا قررت فعل شيء صغير لكنه حاسم. بالتعاون مع روسيو بدأت تجمع شهادات عاملات منازل في سانتا مارتا. لم يكن عملا رسميا مجرد تسجيلات صوتية بموافقة وأحاديث ونصوص قصيرة.
كثيرات تحدثن عن أجور غير مدفوعة وعن ربات عمل يختفين دون دفع وعن ساعات قاسېة وإهانات يومية. وبين كل تلك الأصوات كانت قصة غوادالوبي تعود مرارا كصدى لا ينتهي. بعضهن تذكرن أنهن عملن معها وبعضهن رأين ملصقاتها وبعضهن اكتفين بقول حتى أنا خفت يوما أن أخرج لأطالب بحقي.
وهكذا ولدبلا اسم رسمي وبلا تمويل وبلا منصاتأرشيف شفهي غير رسمي لعاملات المنازل. كانت ميريام تسميه دفتر اللواتي لا يستسلمن. وكانت روسيو ترتبه في دفتر أزرق بأسماء وتواريخ وحكايات. أما إدواردو ورغم أنه لم يشارك كان يراقب باحترام.
كان يرى في أختيه شيئا لا ينطفئ. ورغم أنه لم يوافق على أساليبهما كان يعرف أنه لولا ذلك لكانت غوادالوبي ستتحول إلى غبار.
في 2017 علمت مجموعة نسوية صغيرة شرق المدينة بالقصة. دعت ميريام إلى فعالية مجتمعية. لم ترغب في الحديث أمام الناس لكنها وافقت على إحضار الصورة ونسخة من البلوزةبعد أن بهت لونهاكمعنى رمزي.
كانت أمسية بسيطة بلا خطابات طويلة ولا كاميرات لكن شيئا تغير. اقتربت منها شابة في العشرين تقريبا وقالت أمي أيضا اختفت. لم يبحث عنها أحد لكن قصتك تعطيني قوة لأكمل. لم تجب ميريام كثيرا فقط أومأت.
لم تعد تبكي من الداخل كلما سمعت مثل هذه الجمل لكنها كانت تخزنها لأنها تعرف إذا كانت أمها لا تستطيع الكلام فهناك من يستطيع أن يتكلم
عنها.
وبمرور الوقت لم يعد اسم غوادالوبي حبيس البيت. بدأ يظهر في أماكن أخرى في جلسات ولقاءات حيية ودروس حقوق عمل كانت روسيو تساعد على تنظيمها. لم يرفع كشعار ولم يتحول إلى رمز واسع لكنه صار حكاية ينبغي أن تروى.
وفي أحد اللقاءات سألتها امرأة وماذا لو كانت قد رحلت بإرادتها ماذا لو تعبت فقط لم تغضب ميريام. ابتسمت بحزن وقالت لو رحلت كانت ستترك أشياءها كانت ستخبرنا. أمي لم تختف. أمي أخفيت.
بهذه النبرة وبهذا الثبات الهادئ صارت قصة غوادالوبي بذرة. مقاومة تبنى من الذاكرة.
لم تصبح خبرا وطنيا ولم تنل عدالة ولم يعثر على جثمان لكن اسمها ظل يتكرر كما تتكرر الأدعية والأغاني القديمة والعهود الصامتة. لأن في المكسيك حكايات لا ټموت بل تنتقل من فم إلى فم.
وبعض الناس لا يرحلون تماما. يبقون في الأشياء وفي العادات وفي ما لا يتغير.
مرت سنوات أخرى. كبرت المستعمرة كما تنمو نبتة بلا تقليم بيوت جديدة تجارة أكثر ضجيج أكثر. لكن بيت آل هيريرا بقي كما هو. نفس الطلاء المتعب نفس البوابة الخضراء نفس المذبح بشمعة بيضاء وصورة باهتة. لم يمر الزمن هناك بل توقف.
ميرياموقد صارت في الخمسينلم تعد تتحدث كثيرا عن القضية لكن كل شيء فيها كان ينطق بها طريقتها في النظر إلى الفتيات اللواتي يدخلن المترو وحدهن صمتها كلما سمعت صفارة انقباضها الفوري حين يقول أحدهم اختفت امرأة.
وفي يوم سألتها ابنة أخيها الصغيرة ذات السبع سنوات وهي تشير إلى الصورة لماذا تلك السيدة على طاولة صغيرة أجابت ميريام دون مبالغة لأننا ما زلنا ننتظرها. لم تفهم الطفلة تماما لكنها في كل زيارة كانت تضع زهرة ورقية قرب الشمعة. لم يطلب منها أحد. كانت تفعل ذلك لأنها تشعر أن أحدا ينقص هناك.
واصلت روسيو من موقعها كممرضة مجتمعية تنظيم لقاءات صغيرة مع عاملات المنازل. لم تكن لقاءات كبيرة بل أربع نساء أو خمس يتحدثن عن الحقوق وعن الأمان وعن ماذا يفعلن إذا رفضت ربة العمل الدفع. وفي كل اجتماع كانت روسيو تذكر قصة أمها لا بدموع بل بحزم بوصفها تحذيرا ودرسا.
في أحد تلك الاجتماعات كانت هناك امرأة تدعى لوس ماريا في السادسة والثلاثين من عمرها وكانت جديدة على الحي. استمعت بصمت حتى نهاية الحديث. ثم اقتربت وقالت أنا عملت فترة مع سيدة اسمها فرجينيا لا أعرف إن كانت هي نفسها. كانت باردة جدا قليلة الكلام. وفي يوم اختفت دون أي توضيح ولم تعد.
لم تظهر روسيو انفعالا. سألتها فورا عن التفاصيل. لكن لوس ماريا لم تتذكر كثيرا. قالت إنها تتذكر بيتا في إيستاكالكو وأختا تعيش في تلاهواك. لم تكن لديها بيانات واضحة. لكن الاسم كان هو نفسه. والعمر بدا مناسبا. دونت روسيو كل ما قالته وأخبرت ميريام.
وللحظة قصيرة أعاد احتمال أن تكون فرجينيا ما تزال حية إشعال شيء كان قد نام طويلا. لم يكن أملا كان ڠضبا. والسؤال الذي لا مفر منه ماذا لو كانت تعرف دائما أين كانت أمنا
حاولن العثور على لوس ماريا بعد أيام. لم يجدنها. توقفت عن الحضور إلى اللقاءات. غيرت رقمها. ولم يبق لها أثر. كان الأمر مثل شرارة خاطفة لا تكفي لترى الطريق لكنها تكفي لتعرف أن شيئا ما هناك.
عندما علم إدواردو بالأمر لم يقل الكثير. فقط عاد تلك الليلة ليمر قرب المستودع. لم يكن البناء كما كان. صار مطليا بالأزرق وبلافتة جديدة وبملاك جدد لكن الأرض هي الأرض وتحت تلك الأرض ظل كل شيء
تم نسخ الرابط