خرجت تطالب بحقّها… وبعد 14 سنة ظهر “الدليل” تحت الإسمنت!
المحتويات
ذكر الملف مرة واحدة في إذاعة محلية بفضل جارة ألحت على صحفي ثم انتهى كل شيء عند ذلك.
أما فرجينيا دي لا توري ربة العمل السابقة فلم يعثر عليها قط. لم تكن هناك سجلات واضحة لعنوانها الجديد. ولم يبد أن أحدا في الدائرة مهتم بتتبع الخيط. كان أغلب الجيران يظنون أن غوادالوبي تعبت فحسب وربما ذهبت مع أحدهم. كانت تلك العبارات ټجرح كالسكاكين.
كانت إلفيرا روميرو الجارة الأقرب تكرر جملة لم تنسها روسيو أبدا نساء مثل أمك لا يختفين رغبة. إنما تبتلعهن الظلم. رافقت إلفيرا ميريام إلى المستشفيات معا راجعتا حالات مجهولي الهوية في المستشفيات دون أن تعثرا على أثر يطابقها. لم يطابق أي منها. وفي 1999 جدد عقد إيجار البيت الذي كانت غوادالوبي قد عملت فيه آخر مرة.
حاولت ميريام الحصول على بيانات المستأجر لتتبع فرجينيا لكن شركة العقارات ادعت السرية. كانت الأدلة تذوب مرة أخرى داخل البيروقراطية. وفي عام 2000 أغلق الملف رسميا. لم يخبر أحد الأسرة. عرفوا حين ذهبوا يطلبون نسخة من المحضر. تمتم الموظف هذا أصبح غير نشط. وكأن الحديث عن ملف انتهت صلاحيته لا عن أم وأخت وامرأة اختفت بلا أثر.
كانت ميريام قد بلغت الخامسة والعشرين. تركت وظائف عديدة لتعتني بروسيو وبإدواردو الذي كان يصارع نوبات ڠضب صامت. وفي إحدى ليالي الصمت الثقيل دخلت ميريام غرفة أمها وفتحت دفترها الشخصي.
كان دفترا بغلاف صلب مهترئ تكتب فيه غوادالوبي قوائم المشتريات والمهام ومواعيد العمل. وفي الصفحة الأخيرة لم تكن سوى جملة واحدة الكرامة لا تطلب بل تنتزع. لم تعد أسرة هيريرا تحتفل بأعياد الميلاد ولا بليالي البوسادا ولا بالمناسبات الوطنية.
صار يوم 3 مارسآذار وحده يعلم كل عام شموع ودموع وصمت. وفي وسط المذبح البسيط كانت ميريام تضع دائما بلوزة بلون خمري ليست البلوزة الحقيقية بل واحدة مشابهة اشترتها من السوق الشعبي كرمز كطريقة لتقول أنت هنا.
لسنوات بقيت غوادالوبي ظلا لا وزن له خارج البيت لكن داخل البيت كانت غيابا يملأ كل شيء. لم يكن أحد يتخذ قرارا دون أن يفكر وماذا لو عادت أين ستنام ماذا سنقول لها مر عقد كامل. شاخ البيت وتقشرت الجدران. أنشأ إدواردو أسرة صغيرة لكنه لم يبتعد تماما. درست روسيو التمريض. وظلت ميريام على وعدها لم تتوقف عن البحث. وكان عام 2011 على وشك أن يبدأ بروتينه المعتاد من الاستسلام لكن ذلك العام سيغير كل شيء إلى الأبد.
لم يكن الأمر بحثا بل حملة تنظيف ومع ذلك انتهى إلى اكتشاف. لسنوات كان هناك أرض في زاوية شارع بيرولس مع ممر بلا اسم يبعد ستة شوارع فقط عن بيت آل هيريرا تستخدم مكبا عشوائيا. أرض غير منتظمة منسية من الدائرة تتكدس فيها فرش قديمة وأثاث مكسور وزجاجات وأكياس سوداء وأنقاض.
في ينايركانون الثاني 2011 وبعد شكاوى متكررة من الجيران بسبب انتشار الفئران أرسلت دائرة إيزتابالابا فريقا من العمال لتنظيف المكان. كانت المهمة بسيطة إزالة القمامة وتسوية الأرض تمهيدا لاستخدام محتمل. وكان من بين العمال أوسكار تيليز 38 عاما وراميرو كاستانييدا 41 عاما.
كانا عاملين معتادين على العمل بين الأنقاض والمناطق المتدهورة. في ذلك اليوم لاحظا شيئا غريبا وهما يحاولان تحريك لوح إسمنتي متشقق موضوع بطريقة غير طبيعية في وسط الأرض. لم يكن جزءا من رصيف ولا من بناء قديم بدا كأنه وضع بلا سبب. قال راميرو وهو يتفحص الحواف من يضع لوحا كهذا وحده هنا
كان اللوح يقارب مترا مربعا
وحوله آثار رطوبة. وبجهد رفعاه معا. ما رأياه تحت اللوح لم يكن مجرد تراب كان طينا أحمر مع ماء راكد ورائحة انغلاق حفرة. وداخل تلك الحفرة مضغوطين تحت ثقل الإسمنت ظهرت قطعتان أنهكهما الزمن.
حقيبة بيج فاتح يمكن تمييزها من النظرة الأولى ممزقة ملطخة مغطاة بطين يابس ورطوبة وإلى جوارها بلوزة نسائية بلون خمري بأزرار منفلتة وبشقوق وألياف ضعفت بفعل السنين. ومع ذلك ظل اللون رغم الاتساخ والبهتان حاضرا. أبلغ أوسكار مشرفه. وسرعان ما حضرت دورية وطوق المكان واستدعي ممثل النيابة.
لساعات عاين الخبراء الحفرة. لم تكن هناك بقايا عظمية ظاهرة فقط القطعتان. كان الطين قد حفظ جزءا من القماش لكن لم تظهر إشارات أخرى واضحة. وكانت الجارة دونيا إلفيرا هي التي مرت ورأت المشهد فسألت بصوت عال أليس هذا ما يخص غوادالوبي ارتد السؤال في الهواء كصدى قديم.
رد أحد العناصر بأنه لا توجد مؤشرات على بقايا بشړية لكن شخصا آخرامرأة كانت قد رأت المنشورات في التسعيناتتذكرت لون الملابس المذكور. تم الاتصال بميريام في عصر اليوم نفسه. قالوا لها إنهم ربما وجدوا مقتنيات قد تطابق وصف اختفاء والدتها. ولم يقولوا أكثر.
عندما وصلت إلى المكان لم تحتج إلى أي شرح. مشت بين الطين اليابس والغبار. اقتربت من السياج وما إن رأت الحقيبة البيج حتى أوقفها البكاء في مكانها. همست إنها حقيبتها. ثم تناولت البلوزة بحذر كأن أمها ما تزال حية كأن رائحتها ما تزال فيها. تعرفت عليها من خياطة صغيرة باليد ومن رقعة في الكم الأيسر كانت قد أصلحتها بنفسها قبل سنوات.
الزمن لا يمحو بعض التفاصيل فقط يخفيها. أعادت النيابة فتح الملف. عين خبير جديد وبدأت حفريات سطحية بحثا عن أي آثار مادية أو مؤشرات يمكن الاستناد إليها.. لم يظهر شيء. كانت الأرض قد ردمت مرات عديدة. والرطوبة بدلت طبقات التراب. وبدا أن اللوح وضع عمدا لإغلاق الحفرة.
وعند مراجعة سجلات الدائرة لم يوجد أي تسجيل لأعمال إنشائية في تلك النقطة. لم يستطع أحد تفسير من وضع اللوح ولماذا. لم يكن جزءا من أي بنية سابقة. استدعيت أسرة هيريرا للإدلاء بإفادتها من جديد. وقدمت ميريام صورا قديمة تظهر والدتها وهي ترتدي البلوزة نفسها وتحمل الحقيبة نفسها.
أعيد تصنيف الملف بوصفه اختفاء في ظروف غامضة وبمصدر غير معروف لكن غياب الچثمان أو الشهود كان يمنع أي تقدم حقيقي. عاد اسم فرجينيا دي لا توري إلى الواجهة في التحقيق لكن أثرها ظل معډوما. لم تظهر مرة أخرى في سجلات الإيجارات. لم يعثر على رقم وطني في قواعد البيانات العامة. لا عقود ولا بلاغات ولا أثر قانوني.
كأن البلاد ابتلعتها. لأسابيع دارت القصة همسا بين الجيران. بعضهم تذكر أن فرجينيا كانت حادة الطباع. آخرون تمتموا أنها كانت تعرف أناسا ذوي نفوذ لكن أحدا لم يجزم. وحدها دونيا إلفيرا قالت بصوت مسموع ما كان كثيرون يفكرون فيه هذا لم يوضع وحده.
أسكت صوت غوادالوبي وطمست آثارها كما لو أنها شيء يمكن تجاهله.. ومع الوقت غطيت المنطقة من جديد. بيع المكان بثمن منخفض وبنيت فوقه مستودع لمواد معاد تدويرها. لم يعرف المالكون الجدد ما كان هناك من قبل. احتفظت ميريام بالبلوزة والحقيبة في صندوق مبطن بقماش أبيض.
لم تستطع دفنهما ولم تستطع تركهما. احتفظت بهما بوصفهما الدليلين الوحيدين على أن أمها وجدت يوما وأنها ناضلت ولم تغادر بإرادتها. لأن في المكسيك أحيانا لا يبقى سوى ذلك قطعة قماش ويقين صامت وڠضب من عدم المعرفة.
متابعة القراءة