جحود تحت سقف واحد

موقع أيام نيوز

الأب بكلمة عتاب واحدة، بل أغمض عينيه وأشار لهم بالانصراف بيده المرتجفة. غادر الأبناء الثلاثة المنزل مسرعين، عائدين إلى صخب حياتهم، تاركين خلفهم والداً وحيداً، ليس بسبب قلة المال، بل بفقر الوفاء في قلوب من أحب.
بعد رحيل الأبناء، لم يطل المقام بالحاج منصور؛ فقد انكسر قلبه قبل أن ينهكه المړض، وفاضت روحه إلى بارئها في ليلة باردة وهو وحيد. وعندما وصل الخبر إلى الأبناء، جاءوا مسرعين، لا حزناً على فراق والدهم، بل طمعاً في تقسيم الميراث الذي ظنوا أنه يتمثل في الأرض والبيت.
اجتمع الإخوة الثلاثة في اليوم التالي للجنازة لفتح وصية والدهم التي تركها عند أحد وجهاء القرية. كانت الورقة قديمة، كُتبت بخط يده المرتعش، وجاء فيها:
> "إلى أبنائي الذين استكثروا عليّ وقتهم ومالهم.. لقد بعتُ الأرض قبل مرضي بأشهر لأعالج نفسي ولأقضي ديني، وما تبقى من مال وهبته لبناء بئر ماء وصدقة جارية للفقراء الذين سألوا عني حين غبتم. لم أترك لكم عقارات أو أرصدة، فقد أنفقت أعظم ثروة ملكتها على تعليمكم وبناء مستقبلكم، وظننت أنني استثمرت في قلوب رحيمة، لكنني اكتشفت أنني بنيت قصوراً من رمال."
صُدم الأبناء وساد بينهم صمت مخزٍ. نظر خالد إلى يديه التي لم تمتد لوالده، وتذكر سليم كيف بخل بماله الذي لن ينفعه الآن في استعادة لحظة رضا واحدة، وشعر ياسين بمرارة الندم وهو يدرك أن "الحل البديل" الذي اقترحه كان هو الخسارة الحقيقية.
خرج الأبناء من بيت والدهم يجرون أذيال الخيبة، فقد أدركوا متأخرين أن "بر الوالدين ليس ديناً يُرد فحسب، بل هو استثمار في النفس؛ فكما تُدين تُدان، ومن أغلق بابه في وجه والده اليوم، سيجد أبواب أبنائه مغلقة في وجهه غداً". عادوا إلى المدينة ومعهم المال والجاه، لكنهم فقدوا أغلى ما يملكه الإنسان: دعوة صادقة وبركة لا تُشترى بكنوز الأرض.

تم نسخ الرابط