جحود تحت سقف واحد

موقع أيام نيوز

جحود تحت سقف واحد
في قرية هادئة غفت بين أحضان الجبال، عاش الحاج منصور، الرجل الذي أفنى زهرة شبابه في العمل ليل نهار ليؤمن لأبنائه الثلاثة حياة كريمة. كان منصور يمتلك قطعة أرض صغيرة، يحرثها بعرقه وصبره، حتى تمكن من إرسال أبنائه إلى المدينة ليتعلموا ويحصلوا على أعلى الشهادات. كبر الأبناء الثلاثة: خالد، الابن الأكبر الذي أصبح مهندساً مرموقاً، وسليم، الأوسط الذي انشغل بالتجارة، وياسين، الأصغر الذي غرق في عالم الأرقام والمحاسبة.
مرت السنوات، ووهن العظم من الحاج منصور واشټعل الرأس شيباً. وفي أحد الشتاءات القاسېة، سقط الأب طريح الفراش بعد وعكة صحية شديدة ألمّت به، وأصبح بحاجة إلى رعاية مستمرة ومصاريف علاجية تفوق قدرته البسيطة. أرسل الأب خلف أبنائه، فاجتمعوا في غرفته المتواضعة التي بدت غريبة عليهم بعد سنوات من حياة الترف في المدينة.
بدأ الحاج منصور حديثه بصوت مرتعش يملؤه الأمل: "يا أبنائي، تعلمون أن الأرض لم تعد تنتج كما كانت، وجسدي لم يعد يقوى على حمل المعول. أنا بحاجة إليكم اليوم لتقفوا بجانبي، ليس فقط مادياً، بل أحتاج لوجودكم حولي في أيامي الأخيرة". ساد صمت ثقيل في الغرفة، تبادل فيه الأبناء نظرات الحرج والتهرب.
بدأ خالد، المهندس، بالحديث وهو ينظر إلى ساعته الفاخرة: "يا والدي، أنت تعلم حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقي. لدي مشاريع كبرى في المدينة والتزامات لا تنتهي، ولا أملك الوقت للبقاء هنا، كما أن مصاريف مدارس أبنائي في الخارج تستنزف معظم راتبي". ثم تبعه سليم، التاجر، الذي قال ببرود: "أنا كذلك يا والدي، السوق متقلب جداً هذه الأيام، وكل سيولتي المالية مجمدة في بضائع لا يمكنني التصرف فيها الآن، كنت أتمنى لو استطعت المساعدة لكن العين بصيرة واليد قصيرة". أما ياسين، الأصغر الذي كان الأب يعلق عليه آمالاً كبيرة، فقد اكتفى بالقول: "أنا ما زلت في بداية طريقي، وتكاليف المعيشة في المدينة باهظة، ربما يمكننا التفكير في حل بديل أو إيجاد شخص من القرية يرعاك مقابل مبلغ بسيط نقتسمه لاحقاً".
وقع الكلمات على قلب الحاج منصور كان أقسى من المړض نفسه. نظر إلى وجوههم التي غطاها الجحود، وتذكر كيف كان يكتفي بكسرة خبز ليطعمهم، وكيف كان يسهر الليالي ليدفئهم. لم ينطق 

تم نسخ الرابط