وقف عبدالكريم صاحب أحد المطاعم الفاخرة وسط صالة
هل تعرفين أين تسكن؟
ردت السيدة بالإيجاب ووصفت له مكان المنزل ليعود سريعاً إلى المطعم ويأمر الشيف بتجهيز طلب محترم من أشهى مأكولات المطعم ليحمله ويذهب إلى ذلك العنوان.
لم تمر دقائق حتى كان عبد الكريم يقف أمام بيت أم أمل القديم في ذلك الحي العشوائي وهو يسمع دقات قلبه تكاد ټحطم ضلوعه قبل أن يطرق الباب ويسمع صوت فتاة تسأل من قبل أن يجيبها.
"أنا عبدالكريم صاحب مطعم ..."
لم يكمل عبدالكريم كلماته لينفتح الباب ويلاقي تلك الفتاة التي بعمر ابنته وعلى وجهها ابتسامة صافية تشبه أمها وهي ترحب به وتدعوه للدخول.
كان ظن عبد الكريم وهو يدلف من الباب أنه سيدخل أولاً إلى الصالة والتي منها إلى غرف النوم وهكذا، ولم يعلم أن بيت أم أمل هو غرفة واحدة بها كل شيء، ليُفاجأ على يساره بفراش وعليه تجلس أم أمل تتطلع في عينه بنظرات ملأتها لوماً وعتاباً، وصبيين يجلسان بجوارها وعيونهم معلقة باللفافة التي يحملها بعد ان ملأت روائح الطعام الغرفة
لم يعرف من أين يبدأ وكيف يعتذر، وهل هناك كلمات تداوي چرح كلمات ؟
اقترب منها بخطوات ثقيلة حتى شعرت بمعاناته وحنَّ قلبها الرحيم فابتسمت وأشارت له ليجلس على طرف الفراش، فجلس وتطلع في وجهها الذي أشرق بابتسامة رضا وترحيب استقبلتها باستحياء، قبل أن يبادرها.
أردت أن أتناول طعامي معكم، فهل تسمحين لي أن نتشارك الطعام؟
هربت دمعة من مقلتها كادت ټحرق وجدانه الذي يئن من الإحساس بالذنب، لترد عنها ابنتها.
أمي لا تتكلم منذ عدة أيام، ولا تكف عن البكاء
احس بغصة في صدره قبل ان يحاول تصنع المرح وهو يفتح لفافات الطعام ويهتف.
"دعونا إذاً نُطعمها ونحاول أن نسعدها"
وبدأوا في تناول الطعام وهو يحاول نشر البهجة في جنبات الغرفة الحزينة
ليبدأ أطفالها تبادل الضحكات وأمل تطعم أمها التي ابتسمت في عدة مناسبات قليلة، وحين جاء وقت الأنصراف وقف أمام أم أمل يستجديها.
"سيدتي، لا أملك أن أعيد كلمة خرجت من لساني دون وعي مني، ولكني أملك الشجاعة للاعتراف بالخطأ وطلب المغفرة، وأعرف أنك كبيرة القلب لن تبخلي علي بالصفح"
أشاحت بوجهها عنه وعادت تبكي بكاءً صامتاً، ليقف لثوانٍ طويلة منتظراً عفوها دون جدوى، ليطرق رأسه حزناً ويلتفت ناحية الباب مغادراً، قبل أن يتوقف فجأة على صوتها وهي تنطق بضعف.
"أشكرك يا أستاذ عبدالكريم، ربنا يسعدك ويسترك وينور طريقك"
كلمات بسيطة كانت بالدنيا وما فيها، السعادة والستر والهداية، فهو لن يحتاج أكثر من ذلك، غادرهم وهو مفعم بالبهجة ووعدهم أنه سوف يعودهم حتى تتعافى أمهم بعد أن أعطاهم من مال الله قدراً
وفي الطريق عرج مرة أخرى على المطعم وما أن وصل هناك حتى هاله ما وجد.
زحام شديد بصالة الطعام وزبائن على قائمة الانتظار والعاملون كخلية النحل يكادون لا يستطيعون تلبية كافة الطلبات اندفع إلى داخل المطعم وما أن قابل الشيف حتى حاول أن يستفسر منه عن سبب ما حدث فرد عليه
هل تعرف سعيد سرور؟
نعم إنه أشهر ناقد طعام في البلد
كان هنا وطلب عدة أنواع من الأطعمة وصور تجربته مباشرة على صفحته الخاصة والذي وصفها بتجربة رائعة مما دفع الزبائن للحضور كما ترى
سأله بلهفة.
ومتى كان ذلك؟
كان منذ ساعتين تقريباً
نظر في ساعته وعرف أنه نفس توقيت وصوله عند أم أمل
*الحكمــــه*
العاطيِ يعطيِ من كرمه لنعطي عباده
والكلمة تحي وتميت
والصدقة لا تنقص المال وأن الفقير هو من يتصدق على الغني حين يرضى ويقبل عطفنا وإحساننا.
قال الرسولﷺ
مانقص مال من صدقة