ست اربعينية
سها ما عرفت تتنفس. لما لقت نورا ملقاه على الأرض والدم من خدها، كل حاجة اتجمّدت جواها؛ قلبها اتقطع، عقلها اتحرّك بسرعة اتجنّن. أبدًا ما كان في بالها إن واحد زي عوض يقدر يعمل كده.
بدون تفكير، رمت نفسها وسط البيت؛ هشّته من على نورا بالهمّة الأخيرة اللي جالها، صړخت بأعلى صوتها: "عوض! لا!"
الصوت وصل لجيران السوق؛ الناس الراعين في البساتين، وراشد نفسه كان في المشهد مش بعيد — بس الراجل اللي كان دايمًا يطنش لما تطلع المشاكل، النهارده لمّا سمع صړاخ الست فزع.
عوض حاول يهرب، لكن الجيران وقعوه — واحد مسك ساقه، والتاني سدّ عليه باب الدار، وبعض الستات سحبت نورا وخلوها تتحرك وتعيّط على ودنها. سها حاولت تلف على الطبيب، واحد من الجيران جاب عربية ويلا — نورا دخلت المستوصف بسرعة، ولما استقرت الحالة واطمنوا على قلبها الصغير، رجعوا على طول للبيت ومعاهم شرط البلد وبعض الشباب.
اللي حصل بعدها كان أسرع وأقسى: فيديو صغير على موبايل واحد من الرجالة كان مسجّل جزء من المشهد، صورته عوض وهو داخل البيت، وفي الفيديو ظلال حركاته وحوشة. سها راحت بنفسها للشرطة، ومعاها التسجيل، ومعاها شهادة نورا الجريئة، ومعاها الشهادات من السوق والفقرا.
التحقيق إنطلق، والجرم اتّسجّل: اعتداء ومحاولة إيذاء وحيازة على قِطع آثارية مُشتبه فيها — لأن اللي كانوا بيتعاملوا معاه اكتشفوا حاجات مش مظبوطة. وراشد؟ لما بدأت النيابة تحرّك الملف ظهرت تفاصيل ماحدّش كان متوقعها: الراجل اللي كان على طول يقول "أنا جاركم، ربنا يكفينا" كان له صراعات قديمة مع أهل البلد على الحق في الشفعه، وعلى مرّ السنين تراكبت عليه ديون وهوايح محاولة للاستيلاء على أراضي الناس بطرق مش قانونية.
خلصت جلسات التحقيق بسرعة نسبياً. عوض اتحبس، وراشد اتشهّر؛ الناس اللي كانت تسكت بدأت تتكلّم. وسها؟ كانت كل يوم بتروح النيابة تشهد، وكل يوم تقف شامخة قدّام الخۏف.
بس المصېبة كانت أكبر من كده — وبعد ما رجع الهدوء نسبياً، وأخذت سها بالحق نورا وبنتها العافية، جات المفاجأة غير المتوقعة: في الدرج القديم بتاع البيت، اللي كانت بتخبّي فيه أوراقها من زمان، لقت ظرف قديم مكتوب عليه بخط زوجها الراحل — ورق وصيّة وثيقة صادرة من محامي قديم — مع نسخة من عقد بيّن إنه مهما حصل، في قطعة أرض صغيرة، اسمها الكامل والنهائي محفوظة باسمها ونورا، وإن في وديعة صغيرة في بنك قديم كانت دُفعت باسم الزوج وقت ما كان سافر.
سها ما صدقتش في الأول، لكن المحامي أكد صحة الورق وبعد أيام قليلة اتفتحت الوديعة: مبلغ مش ضخم لكن كافٍ يغطي الدين ويبني مشروع صغير — وورقة الأرض الصغيرة دي، لما اتبعت طريقة قانونية سليمة، حررت سها من محاولات الراشد للاستيلاء، لأن الحق القانوني كان واضح وماحدّش يقدر يتمادى عليه.
النقطة اللي قلبت المعادلة كانت إن سند صغير من الزوج القديم احتفظت بيه سها من غير ما تحسنه قيمة: رسالة قصيرة فيها كلمات قليلة لكن مليانة حكمة. كتب لها فيها: "لو الدنيا ضاقت، خليكْ