الحكيم وبضاعة السوق العجيبة
“فكر قبل أن تعمل.”
توقّف فجأة، وكأن الكلمات نُقشت في عقله.
شعر بانشراحٍ غريب، وكأن حملاً ثقيلاً أزيح عن صدره، وأدرك أنه نجا من أمرٍ لو أقدم عليه لأفسد حياته.
في تلك اللحظة، أدرك الوالي أنه انتفع بالحكمة قبل أن يشتريها!
هرول عائدًا إلى السوق يبحث عن الشيخ العجوز في لهفةٍ شديدة، حتى وجده جالسًا في دكانه الهادئ. قال الوالي وهو يلهث:
– لقد قررت أن أشتري هذه اللوحة بالثمن الذي طلبته، بل وأكثر إن شئت!
نهض الشيخ من مقعده، ومسح الغبار المتبقي عن اللوحة، ثم سلّمها للوالي قائلاً:
– بعتها لك بعشرة آلاف دينار، ولكن بشرط واحد.
قال الوالي:
– وما هو الشرط؟
قال الشيخ بثباتٍ وهدوء:
– أن تكتب هذه الحكمة على باب بيتك، وفي أكثر أماكن قصرك، وحتى على أدواتك التي تستعملها وقت الحاجة.
صمت الوالي قليلًا ثم قال مبتسمًا:
– موافق يا حكيم السوق.
عاد الوالي إلى قصره، وأمر بكتابة العبارة في كل مكان: على الجدران، وعلى الأبواب، وحتى على ملابس بعض الخدم.
مرت الأيام، وتبدّلت الشهور، ونسي الوالي تلك القصة الغريبة... حتى جاء اليوم الذي كادت فيه هذه اللوحة تنقذ حياته من موتٍ محقق!
🌟 الجزء الثاني: الحكمة التي أنقذت حياة الوالي 🌟
في أحد الأيام، قرّر قائد الجند أن ېقتل الوالي لينفرد بالحكم. خطط للأمر بدقة، وأغرى حلاق الوالي الخاص بمالٍ وفير ليكون أداة التنفيذ. وافق الحلاق بعد تردّدٍ شديد، وحدّدوا اليوم والساعة... وفي دقائق معدودة، كان الوالي على وشك أن يُذبح وهو لا يدري.
لكن عندما اقترب الحلاق من باب القصر، رأى على البوابة الكبيرة عبارة منقوشة بخطٍ واضح:
“فكر قبل أن تعمل.”
توقف للحظة، وشعر بقشعريرة تسري في جسده. تجاهل الأمر محاولًا أن يتمالك نفسه ودخل الممر الطويل المؤدي إلى حجرة الوالي، فإذا بالعبارة نفسها تتكرر على الجدران:
“فكر قبل أن تعمل… فكر قبل أن تعمل…”
تعرّق جبينه وازداد اضطرابه، وكأن الكلمات تلاحقه في كل زاوية. حتى عندما حاول أن يطأطئ رأسه ليتجنب القراءة، رأى العبارة مكتوبة على السجاد تحت قدميه!
زاد خوفه، لكنه مضى نحو الحجرة الكبيرة حيث ينتظر الوالي. هناك، كانت المفاجأة الأكبر:
الثوب الذي يرتديه الوالي نفسه منقوش عليه:
“فكر قبل أن تعمل.”
ارتعشت يد الحلاق بشدة، وشعر أن الوالي يعلم بما يخطط له! وعندما أخرج صندوق الحلاقة فوجئ بالعبارة منقوشة أيضًا على غطائه!
لم يستطع الاحتمال أكثر، فسقط على ركبتيه باكيًا أمام الوالي وهو يقول بصوتٍ مرتجف:
– سامحني يا مولاي! لقد أغراني قائد الجند لېغدر بك، لكن هذه الكلمات طاردتني في كل خطوة حتى شلت تفكيري!
ابتسم الوالي ابتسامة خفيفة وقال:
– لقد كانت الحكمة التي اشتريتها بأغلى الأثمان… لكنها اليوم أنقذت حياتي!
أمر الوالي بالقبض على قائد الجند وأعوانه، ثم عفا عن الحلاق، ووقف أمام تلك اللوحة التي علّمته درسًا لا يُنسى، وهو يمسح عنها الغبار قائلاً:
“حقًا، ما أغلى الحكمة حين تُنقذ روحًا من الهلاك.”
وفي اليوم التالي، عاد الوالي إلى السوق باحثًا عن الشيخ الحكيم، يريد أن يشكره ويشتري منه حكمة جديدة…
لكن حين وصل، وجد الدكان مغلقًا، وأخبره الناس أن الشيخ قد ماټ.
فوقف الوالي طويلاً أمام باب الدكان، واللوحة بين يديه، وهمس قائلًا:
“رحمك الله أيها الحكيم… لقد بعتني حياةً كاملة مقابل لوحة.”