انسان مكروب
قال له الرجل وهو يعيد البطاقة برفق إلى يده، وعيناه ما زالتا دامعتين:
– جزاك الله عني خير الجزاء، لكن اسمح لي… لا أستطيع أن آخذ البطاقة.
تفاجأ الرجل، وتراجع خطوة وهو يقول باستغراب:
– ولماذا؟ هذا أقل ما يمكن، ربما تحتاجني يومًا ما.
ابتسم الرجل المديون ابتسامة هادئة، كأنها خرجت من قلب مطمئن رغم ما كان يحمله قبل دقائق من همٍّ ثقيل، ثم قال:
– لأنني الليلة دعوت الله فقط، ولم أطلب من غيره أحدًا. وما دام قد قضى حاجتي، فلا أريد أن أعلّق قلبي بأحد سواه.
سكت الرجل قليلًا، وشعر بشيء غريب يتحرك في صدره. لم يكن حزنًا ولا دهشة فقط، بل إحساسًا بالحياء… كأن الكلمات أصابته في موضع عميق.
أكمل الرجل كلامه:
– كنت أظن أن باب السماء بعيد، وأن الدعاء في هذا الوقت مجرد دموع في الظلام، لكن الله أراد أن يعلّمني درسًا. أرسلني إلى المسجد، وأرسل لك الأرق، وجمعنا هنا في لحظة واحدة. هذه ليست صدفة، بل رحمة.
نظر إليه طويلًا، ثم جلسا معًا على أرض المسجد. لأول مرة منذ زمن، شعر أن صدره هو الآخر يخفّ، وأن الأرق الذي أخرجه من بيته لم يكن عبثًا.
قال بصوت منخفض:
– والله يا أخي، خرجت الليلة وأنا أحمل همًّا لا يقل ثقلًا عن همّك، لكني لم أعرف كيف أبوح به.
الټفت الرجل إليه وقال:
– وهل تريد أن تخبرني؟
هزّ رأسه نفيًا، ثم قال:
– لا… يكفيني أنني رأيت استجابة دعاء بعيني. هذا وحده كفيل أن يعيد ترتيب قلبي.
قام الرجل المديون واستعد للمغادرة، ثم الټفت قبل أن يخطو خارج المسجد وقال:
– إن أردت أن تردّ الجميل، فلا تذكر اسمي لأحد، ولا تنتظر شكرًا. فقط، إذا ضاق بك صدرك يومًا، تعالَ إلى هنا، وادعُ كما دعوتُ أنا. ستجد الله أقرب مما تظن.
خرج الرجل، وبقي هو جالسًا وحده في المسجد، ينظر إلى المكان الذي كان يقف فيه ذلك الغريب. شعر أن شيئًا ما تغيّر داخله. لم يعد الأرق يؤلمه، ولم يعد القلق يضغط على صدره.
قام فتوضأ، وصلى ركعتين بخشوع لم يعرفه من قبل. لم يطلب مالًا، ولا راحة، ولا حلًّا لمشكلة بعينها. فقط قال:
“يا رب، علّمني أن أطرق بابك قبل أي باب، وأن أثق بك كما وثق هذا الرجل.”
خرج من المسجد مع أذان الفجر، والسماء بدأت تضيء بلونٍ خاڤت. ابتسم، وأدرك أن تلك الليلة لم تكن عابرة، بل كانت رسالة… رسالة تقول إن الله إذا أراد أن يفرّج همّ عبدٍ، جعل من همّ عبدٍ آخر سببًا للفرج، دون أن يشعر أيٌّ منهما كيف دُبّرت الرحمة.